عايشت تجربة تنظيم المعارض الخارجية ووقفت على كيفية إدارتها في بعض دول العالم وحجم الجهد والتنسيق الذي يُبذل في هذا الشأن والوقت الذي يستغرقه، والعمل على مدار الساعة في وضع الترتيبات لإقامة معرض هنا وجولة سياحية هناك، وأشفقت على من يتولى مثل هذه المهام المضنية للغاية، فالمسألة في مجملها ليست بسيطة وسهلة كما يعتقد البعض خطأ، فتجهيز المعارض تسبقه أعمال شاقة لايراها الزوار في العادة، وقد تستغرق تلك الأعمال شهورا عديدة من العمل المتواصل ليلا ونهارا بل الوقوف على المعارض والإشراف عليها والالتزام بالوقت ليست عملية ارتجالية وإنما التزام دقيق مع الزوار والعملاء والمستثمرين بمواعيد مقدرة بالثواني وكل ذلك يحمّل المنظمين والمشرفين مسؤولية كبيرة وجسيمة مؤطرة بالمسؤولية الوطنية والأمانة ويقظة الضمير في آداء العمل في الخارج مجسدين حتمية التمثيل المشرف لوطنهم، وليس من سمع كمن رأى كما يقال، الأمر الذي يفرض تقدير هذه الجهود وتعزيزها ولو بكلمة، وتحفيز الترويج وتعزيز المشاركات الخارجية لما لها من دور كبير في التعريف بالبلاد وتاريخها وحضارتها.

فالجهود المبذولة في تنظيم المعارض الخارجية من قبل القائمين على هذه المحافل تمثل قمة سنام التعريف بالدول والأوطان لدى الشعوب الأخرى منطلقين من قاعدة أن الزرع لا يقطف ثماره في ذات وقت زراعته، مقتنعين بأن تعريف الشعوب بالدول وحضارتها و ثقافتها ومكوناتها يحتاج إمكانيات كبيرة ووقتا طويلا ومجهودات لا يُستهان بها على كل الأصعدة والمستويات.

إن تنظيم المعارض وانتظار نتائجها وما تسفر عنه يحتاج للتحلي بالصبر والتأني إذ يتم التعامل مع مستجدات ومتغيرات بعضها في متناول اليد، وبعضها في حكم الغيب، ثم هي تخضع لمؤثرات كثيرة وحساسية مفرطة تتطلب التعامل معها بكياسة مع التمسك بروح الأمل لتجاوز كل التحديات المعيقة للعمل.

ولعل تزايد أعداد الزوار والسياح للسلطنة عاما بعد آخر رغم قلة المشاركات الخارجية وضآلة الإمكانيات المتوفرة يعكس حقائق كثيرة منها أن تراكمات التعريف بالسلطنة من السنوات الماضية باتت تأتي أكلها الآن، إضافة لفاعلية الترويج خاصة في خضم التنافس الشرس بين الدول لإنتزاع أكبر حصص من الأسواق السياحية وتسخير كل الإمكانيات لها وهو ما يجب البناء عليه بالإستمرار في الترويج بفاعلية أكبر في السنوات القادمة بحول الله، إذ يجب أن تبقى تلك الجهود مستمرة وبفاعلية أكبر لتتواكب مع المستجدات السياحية محليا وإقليميا ودوليا وهو ما يجب الوعي به ومده بزخم أكبر.

فالمعارض الخارجية لها دور كبير في تسليط الأضواء على المقومات السياحية والحضارية وغيرها من الجوانب المضيئة التي تزخر بها السلطنة والتفاعل مع الشركات السياحية العالمية وصُناع السياحة في العالم والإطلاع على التجارب ، وإقامة شراكات مع الشركات النظيرة والعمل المتواصل معها وتعزيز الثقة لديها، كما لا يتعين إغفال الارتباطات والعلاقات الثنائية والصداقات والتي لا تتوثق إلا من خلال مشاركات فاعلة وفتح آفاق التواصل المباشر مع العالم والعكس أيضا صحيح إذ أن الانكفاء على الداخل والتقوقع على الذات نتائجة معروفة سلفا.

فعندما نتجول في مثل هذه المعارض السياحية الدولية نجد دولا صغيرة حجما ووزنا غير إنها تكرس جهودها في المعارض، ونجد لها منصات ضخمة تتحدث بلسانها وبكافة اللغات وتقدم للزوار مقوماتها وما لديها من نفائس لتغري الناس بالتوقف عندها وإرغامهم بالحسنى على زيارتها والتناغم مع ما لديها، وبذلك تتضخم مساحة تلك الدول الصغيرة ، في حين أن دولا مثل السلطنة لديها من الكنوز الثقافية والحضارية ما لا يتوفر للعديد من دول العالم، ولذلك فلا بد من أن نولي هذا الجانب الأهمية القصوى في كل توجهاتنا الاستثمارية والاقتصادية الآنية والمستقبلية التي توازي هذا الإرث الحضاري الكبير وتتواكب في ذات الوقت مع الرغبة في أن تلعب السياحة دورا في سياسات تنويع مصادر الدخل في البلاد وإضفاء قيمة مضافة عالية للإقتصاد الوطني عبر الاستثمار في الترويج، فهو الركيزة الأساس للنهوض بهذا القطاع المهم وتحقيق الآمال التي نتطلع بأن يكون لها دور حيوي في الناتج المحلي الإجمالي وإضفاء قيمة مضافة عالية على الإقتصاد والمجتمع، فالإنفاق على التسويق والترويج يعد استثمارا في علم الاقتصاد يجب أن نعطيه كل الاهتمام الذي يعود بالفائدة على البلاد والعباد ونحن نستشرف آفاق المستقبل بتفعيل القطاعات غير النفطية.

ما يثلج الصدر أنني وعندما تجولت في معرض بورصة برلين للسفر بألمانيا، والذي يعد من أكبر المعارض الدولية في المجال السياحي ومررت بأجنحة الشركات السياحية العالمية مثل توماس كوك، وماركوبولو، وغيرها، ذهلت عندما وجدت أن هذه الشركات العملاقة والعاملين فيها في مجال السياحة يعرفون عن السلطنة ربما أكثر مما أعرف، إذ سرعان ما فتحوا ادالتهم الضخمة التي تجدول كل الدول والأمكنة السياحية فيها لتنبثق على الفور صفحات كاملة عن السلطنة وولاياتها ومحافظاتها ومدنها وقراها وأفلاجها وجبالها وسهولها وقلاعها وحصونها ، عندها أدركت عمليا وميدانيا بأن المعارض تلعب بالفعل دورا كبيرا في التعريف بالأوطان وتقديمها كأفضل مايكون لكل طالب معلومة، بل تحدثوا باستفاضة غير عادية عن بعض الوجهات السياحية وإعجابهم بالشعب العُماني وثقافته وبشاشته، عندها أدركت بأن هناك تراكمات إيجابية لدى هذه الشركات صانعة السياحة في العالم ما كان لها أن تتأتي بسهولة لولا المعارض والمشاركات الخارجية واللقاءات التي أقنعت أرباب السياحة في العالم للتعاطي مع السلطنة بتلك الدقة وبتلك التفاصيل متناهية الصغر، وهو ما يجب استثماره في المرحلة المقبلة للمحافظة على ما تحقق من منجزات رسمت صورة ذهنية بديعة ألوانها عن السلطنة في أذهان صُناع السياحة من خلال تعزيز المشاركات والتواصل والتفاعل لتأكيد استدامة التدفق السياحي تعضيدا للتطور الذي يشهده القطاع السياحي في السلطنة والمستمد زخمه من الاستثمارات العامة والخاصة التي تحتاج دوما لمن يحرك مرافقها وإلا سيغشاها الركود لا قدر الله.

إن بناء منظومات المعارض في دول العالم من خلال المشاركات والولوج للأسواق وبناء علاقات مع الجهات المنظمة لهذه الفعاليات وكسب ثقتهم، والتحاور معهم ليست مسالة سهلة أو ارتجالية يمكن أن تُبنى بين ليلة وضحاها، أو تكون رهينة للصدف، وهو أمر غائب عن أذهان الكثيرين، بل هي جهود تبذل ومحاولات وتفكير ومتابعة مستمرة خاصة في ظل الزخم الذي ينتاب هذه المحافل والتسابق عليها من الجميع، فالكل يرغب في نيل حصة أكبر أو مساحة أوسع انطلاقا من نقطة الصفر وإلى أن تقف على قدميها ولترتدي أجمل وأبهى حللها التي تسر الناظرين، عندها كانت قناعتي كاملة وراسخة ولا تشوبها شائبة إزاء حقيقة أن المعارض الخارجية ليست نزهة بأي حال من الأحوال، إنها عمل اقتصادي استثماري سياحي بالغ الخطورة وشديد الأثر وعلينا الالتفات له.

نأمل أن نعزز الترويج بكافة أشكاله واعتباره قبل كل شيء استثمارا، فهو تكلفة مضمونة العوائد ولو بعد حين، خاصة المعارض والفعاليات المباشرة التي تعزز الانطباعات الإيجابية لدى السائح من خلال زيارة جناح أو الالتقاء بالعارضين والاستماع إلى شروحات وغيرها من مظاهر التواصل المباشر مع الجماهير، فالتجربة كانت خير برهان.

المصدر:الشبيبة

الكاتب:علي بن راشد المطاعني


مواضيع مرتبطة

التعليقات


الاستفتاء

الاكثر تفاعل

اعلان ممول


المواقع الإجتماعية

القائمة البريدية